
تمر علي هذه الأيام ذكرى من أسوأ ما حملته الذاكرة من ذكريات …
ذكرى سقوط بغداد أسيرة في يد العم سام …
ذكرى ليس لها مثيل عندي ..ربما الأجيال الأكبر سنا …لم يكن وقع الصدمة في قلوبهم مثلنا نحن مواليد السبعينات وما بعدها …
لأنهم قد اكتسبوا مناعة وتطعيما مضادا في نكسة حزيران ..
أنما نحن …وأنا بالذات لأول مرة أشعر بمرارة الهزيمة وذلها …
كان عندي أمل …كنت أتطلع إلى النصر ..وأظنه قريبا ..بعد أن انتظرته طوال عمري …
أذكر أنه قبل سقوط بغداد بفترة طويلة …أبان حرب الخليج الثانية (حرب العراق مع قوات التحالف ) ..كنت وقتها طالبة بالأول اعداي ..نشاطاتي كانت تتنوع ما بين متابعة نشرات الأخبار والجرائد والمجلات السياسية وكتابة الأشعار الحماسية ..إلى أن انفجرت فعلا بعد رؤية ضحايا ملجأ العامرية ..وقررت بعقل الطفلة قيادة دراجتي الهوائية والذهاب إلى العراق للجهاد الفعلي وليس مجرد الكتابة على الورق …وقتها عندما اتخذت توجهاتي هذا المسار الخطير …قام أهلي بضربي (طريحة سوداء ) وحرمت بعدها ….
هذا سبب لي بعض البرود وقررت أن أريح عقلي قليلا وأفكر مثلما يفكر أندادي …قررت أن أعيش على هامش الحياة …أغاني ..موضة ..تلفزيون ..ضحك ولعب ..ولكن ..لا جد ..
من يومها لم أفكر أبدا في السياسة …
ولكن بعد أن وصل الظلم مداه في حرب أمريكا على العراق …لم يستطيع قلبي إلا أن يتعلق بكل ما يجري في العراق …
هجرت عالمي …وتسمرت أمام الفضائيات ..أتابعها من الصباح لأخر الليل ..دونما كلل أو ملل …صدقت نفسي …وأوهام النصر ..صدقت الأماني والأحلام …
ولم أفق إلا على وقع الصدمة التي فطرت قلبي …
التاسع من أبريل لسنة ألفان وثلاثة …يوما لا يمحى أبدا من ذاكرتي مهما مضت السنون …
كنت في الحجرة وحدي …أبكي وأنتحب بصوت عالي …أصرخ بحرقة الأم الثكلى …
لا أصدق …أتمنى لو يدخل أحد ويخبرني أن ما أراه على الشاشة ليس حقيقيا ..وأنه ما هو إلا فيلم تم إنتاجه في هوليوود وأمرت القنوات العربية ببثه كجزء من الحرب النفسية و لنشر ثقافة الهزيمة في نفوسنا ..
من الظهر …عند دخول أول دبابة أمريكية لبغداد ..إلى المغرب وأنا أنتحب ولا أصدق …تعبت من البكاء …نمت قليلا …استيقظت وأنا أظن أنه ما كان إلا كابوسا …
يالله …يالله ما أصعب الهزيمة ….
ما أصعب أن يخذلك العالم ..أن تشعر أنك ..ما أنت إلا لعبة صغيرة تحركها قوى عظمى كيفما شاءت وفي أي وقت شاءت …
لم أصدق …قبل سويعات كان طارق عزيز يؤكد أن كل شيء على ما يرام …كيف …؟؟؟كيف يا بغداد بهذه السهولة …
كنت اعتقد أنها خدعة حرب ..وأنه لا يلبث صقور الجيش العراقي البطل في الانقضاض على دبابات العلوج وطردهم خارج تراب بغداد الطاهر …ولكن تتابع الأحداث …لم يدع مجالا للشك …إنها بلا شك الهزيمة ..وأنه عراقي الحبيب …سقط مستعمرا ..محتلا …مغتصبا …
ها هم المرتزقة والحثالة يسرحون ويمرحون ..ينهبون ويسرقون ..ويعيثون فسادا في بغداد بقلب حاقد وحانق ..ها هم يدمرون كل معالم الحضارة في بلاد الرافدين …ها هي أثار العراق تسرق وتنهب وتدمر ..جهارا نهارا ..وها هم تتار القرن الواحد والعشرون ينامون ويسكرون في قصور صدام الرئاسية ..
يالله ..ما أثقل ذلك على قلبي …
رغم ذكرياتي الأليمة الكثيرة …ورغم ان الحياة لم تكن متصالحة معي يوما …ألا أن هذه الذكرى بالذات …تظل الأكثر إيلاما …والأقسى على قلبي …شعور فضيع بالانكسار ينتابني من يومها …شعور بالإحباط واللامبالاة والهزيمة …هذا ما كانوا يريدونه لنا ..وفعلا قد أفلحوا …
أعترف …أعترف أنني أصبحت متشائمة جدا ..وأعتقد أن النصر حلما بعيد المنال …ربما قد لا نغنى أهازيج النصر ..ولكن تظل الأمنية أن يرددها أولادنا من بعدنا …
ذكريات أليمة جدا …لا تخف وطئتها على قلبي …فهناك ذكريات يظل وقعها مؤلما …متجددا ..كانفجار قذيفة مورتر في قلبك ..ولكن يبقى الأمل في أحرار العراق …وفي أحرار الأمة …
يبقى الأمل في النصر ..لأنه لو انعدم الأمل …يعني ذلك انعدام الرغبة في الحياة …..
أسمحوا لي في هذه الذكرى الحزينة ..أن أهديكم أجزاء من قصيدة الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب ..أنشودة المطر ..
كَادُ أَسْمَعُ العِرَاقَ يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السهولِ والجبالْ ،
حتى إذا ما فَضَّ عنها ختمَها الرِّجالْ
لم تترك الرياحُ من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ .
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر
وأسمع القرى تَئِنُّ ، والمهاجرين
يُصَارِعُون بِالمجاذيف وبالقُلُوع ،
عَوَاصِفَ الخليج ، والرُّعُودَ ، منشدين :
مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وفي العِرَاقِ جُوعْ
وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ
لتشبعَ الغِرْبَان والجراد
وتطحن الشّوان والحَجَر
رِحَىً تَدُورُ في الحقول … حولها بَشَرْ
مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وَكَمْ ذَرَفْنَا لَيْلَةَ الرَّحِيلِ ، مِنْ دُمُوعْ
ثُمَّ اعْتَلَلْنَا - خَوْفَ أَنْ نُلامَ – بِالمَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وَمُنْذُ أَنْ كُنَّا صِغَارَاً ، كَانَتِ السَّمَاء
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ